ابن قيم الجوزية

374

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وهذه الدرجة لا يقدر عليها العبد إلا بملكة قوية من الذّكر ، وجمع القلب فيه بكليته على اللّه عزّ وجلّ . قال : « الدرجة الثالثة : مراقبة الأزل ، بمطالعة عين السّبق ، استقبالا لعلم التوحيد . ومراقبة ظهور إشارات الأزل على أحايين الأبد ، ومراقبة الإخلاص من ورطة المراقبة » . قوله : « مراقبة الأزل » أي شهود معنى الأزل ، وهو القدم الذي لا أول له « بمطالعة عين السبق » أي بشهود سبق الحق تعالى لكل ما سواه . إذ هو الأول الذي ليس قبله شيء . فمتى طالع العبد عين هذا السبق شهد معنى « الأزل » وعرف حقيقته ، فبدا له حينئذ علم التوحيد . فاستقبله كما يستقبل أعلام البلد ، وأعلام الجيش . ورفع له فشمر إليه . وهو شهود انفراد الحق بأزليته وحده . وأنه كان ولم يكن شيء غيره البتة . وكل ما سواه فكائن بعد عدمه بتكوينه . فإذا عدمت الكائنات من شهوده ، كما كانت معدومة في الأزل . فطالع عين السبق ، وفني بشهود من لم يزل عن شهود من لم يكن . فقد استقبل علم التوحيد . وأما « مراقبة ظهور إشارات الأزل على أحايين الأبد » فقد تقدم أن ما يظهر في الأبد : هو عين ما كان معلوما في الأزل ، وأنه إنما تجددت أحايينه . وهي أوقات ظهوره . فقد ظهرت إشارات الأزل ، وهي ما يشير إليه العقل بالأزلية من المقدّرات العلمية على أحايين الأبد . هذا معناه الصحيح عندي . والقوم يريدون به معنى آخر : وهو اتصال الأبد بالأزل في الشهود . وذلك بأن يطوي بساط الكائنات عن شهوده طيا كليا . ويشهد استمرار وجود الحق سبحانه وحده ، مجردا عن كل ما سواه . فيصل - بهذا الشهود - الأزل بالأبد . ويصيران شيئا واحدا . وهو دوام وجوده سبحانه ، بقطع النظر عن كل حادث . والشهود الأول أكمل وأتم . وهو متعلق بأسمائه وصفاته . وتقدم علمه بالأشياء ، ووقوعها في الأبد مطابقة لعلمه الأزلي . فهذا الشهود يعطي إيمانا ومعرفة ، وإثباتا للعلم والقدرة ، والفعل والقضاء والقدر . وأما الشهود الثاني : فلا يعطي صاحبه معرفة ولا إيمانا ، ولا إثباتا لاسم ولا صفة ، ولا عبودية نافعة . وهو أمر مشترك . يشهده كل من أقر بالصانع ، من مسلم وكافر . فإذا استغرق في شهود أزليته ، وتفرّده بالقدم ، وغاب عن الكائنات : اتصل في شهوده الأزل بالأبد . فأي كبير أمر في هذا ؟ وأي إيمان ويقين يحصل به ؟ ونحن لا ننكر ذوقه . ولا نقدح في وجوده . وإنما نقدح في مرتبته وتفضيله على ما قبله من المراقبة ، بحيث يكون لخاصة الخاصة . وما قبله لمن هم دونهم . فهذا عين الوهم . واللّه الموفق . فإذا اتصل في شهود الشاهد : الأزل الذي لا بداية له ، بالأزمنة التي يعقل لها بداية - وهي أزمنة الحوادث - ثم اتصل ذلك بما لا نهاية له ، بحيث صارت الأزمنة الثلاثة واحدا . لا ماضي فيه ، ولا حاضر ، ولا مستقبل ، وذلك لا يكون إلا إذا شهد فناء الحوادث فناء مطلقا ، وعدمها عدما كليا . وذلك تقدير وهمي مخالف للواقع . وهو تجريد خيالي ، يوقع صاحبه في بحر طامس لا ساحل له ، وليل دامس لا فجر له .